ابن قتيبة الدينوري
10
الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية والمشبهة
بالألقاب ويتسابون بالكفر ويتعاضدون بالنحل ويتناصرون على الهوى « 1 » وعاد الاسلام غريبا كما بدا فما ذا يعجب من سلة السيف وشمول الخوف ونقص الأموال والأنفس وهل يتوقع بعد تزيدنا في الغواية الا التزيد في البلاء حتى يحكم الله بما شاء بيننا وهو خير الحاكمين وكان طالب العلم فيما مضى يسمع ليعلم ويعلم ليعمل ويتفقه في دين الله لينتفع وينفع « 2 » فقد صار طالب العلم الآن يسمع ليجمع ويجمع ليذكر ويحفظ ليغالب ويفخر وكان المتناظرون في الفقه يتناظرون في الجليل من الواقع والمستعمل من الواضح وفيما ينوب الناس فينفع الله به القائل والسامع فقد صار أكثر التناظر فيما دقّ وخفي وفيما لا يقع وفيما قد انقرض من حكم الكتابة وحكم اللعان ورجم المحصن وصار الغرض فيه إخراج لطيفة وغوصا على غريبة وردا على متقدم فهذا يرد على أبي حنيفة وهذا يرد على مالك وآخر يرد على الشافعي « 3 » بزخرف من القول
--> ( 1 ) تصوير لما كان عليه حال المسلمين أيام اخذت أعلام النهضة العلمية العباسية في الانتكاس وابتدأ دور رد الفعل بتقريب حشوية الرواة في أواسط القرن الثالث عهد فشو الكذب في الروايات وذيوع الهوى المردي في النحل وانتقاص أئمة الهدى كما ورد في الحديث وكان فضل الله عظيما على المسلمين حيث وفق أئمة الهدى وقادة الأمة لتدوين الفقه الاسلامي وأدلة احكامه من ينابيعها الصافية قبل هذا العهد عهد اختلاط الحابل بالنابل وتشعب الأهواء المردية . ( 2 ) كما كان عليه الحال في عهد أئمة الهدى وقادة الأمة من فقهاء الصدر الأول . ( 3 ) وحيث إن هؤلاء الثلاثة هم قادة الأمة في الفقه الاسلامي في مشارق الأرض ومغاربها في عهد المصنف وقبل عهده كما أنهم كذلك مدى القرون وبقية فقهاء الأمصار من المرتشفين من يم علوم هؤلاء الأئمة اقتصر عليهم كما اقتصر عليهم أيضا الحافظ ابن عبد البر في الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء ، ولم يزل أهل العلم الا كفاء يرد بعضهم تمحيصا للحق على تفاوت ما آتاهم الله من علم وفهم ، وكان هؤلاء الأئمة من ارغب الناس فيما يوجه إليهم من الردود بوجيه الحجة وارحبهم صدرا له واسرعهم رجوعا إلى الصواب حيثما اتضح لا خلاصهم في العلم ومخافتهم من الله في احكام دينه فكافأهم الله باظهار سلطان علومهم في أمصار المسلمين على تنائي الأقطار وامتداد الاعصار حتى أقرت لهم جماهير علماء الأمة بالإمامة والقدوة على رغم أنوف المتجاهلين لعظيم اقدارهم المنتهكين لحرماتهم المنكرين لجليل مننهم -